الأحد , مايو 27 2018
ar
الرئيسية / مقالات وآراء / مقالات / سلامة الكتبي: التكنولوجيا وأثرها على المجتمع

سلامة الكتبي: التكنولوجيا وأثرها على المجتمع


كاتبة وإعلامية إماراتية

salama20091@hotmail.com


وسط عالم يضج بالمتغيرات الكثيرة والنقلات الحضارية الهائلة… أُفرزت الكثير من أنماط الحياة الثقافية والسلوكية على كل ذرة من حياتنا حتى لتكاد التكنولوجيا والتي جاءت مرافقة لعملية الطفرة أن تنتشر في جزيئات الهواء الذي نتنفسه وأن تتسرب عبر مسامات أرواحنا وتجري في أوردتنا مجرى الدم ، مما جعل كياناتنا تمتلئ بها حد التخمة الموغلة في التضخم .

فهل نجحت التكنولوجيا في جعل العلاقات الإنسانية أجهزة ذات تقنيات متطورة يتم توجيهها بأجهزة التحكم عن بعد (الريموت كونترول ) ؟! وهل غدا العقل البشري كالمنتجات المعلبة الغير صالحة للاستهلاك في ظل الثورة التكنولوجية والتي فرضت وجودها على أدق تفاصيل يومنا؟!

ولنقف على التعريف العلمي لمصطلح تكنولوجيا والذي يتداخل مع التقنية والتطوير فهي تعني تطبيق الأدوات وإدخال الآلات لزيادة إنتاجية العنصر البشري وتحسين أدائه وتعمل كذلك على حل المشكلات الناتجة عن أي خطأ بشري.

فالعالم العربي والمنطقة الخليجية أصبحا اليوم مرتعا خصبا للنمو التكنولوجي واستيراد كل جديد في هذا المجال وذلك تزامنا مع النقلة العمرانية التي شهدتها الحياة في الخليج نتيجة للنمو الاقتصادي الضخم والذي صاحبة تغييرا في كافة ملامح الحياة، وهذا التغيير لم يقتصر على الجوانب المادية والأجهزة الحديثة وما يتبعها من ملحقات والتي تحولت من كونها كماليات تسهل الحياة إلى أولويات لا تسير حياة الفرد إلا بالرجوع إليها والاستعانة بها، فهل أصبحت الآلة هي من تُسير حياة الإنسان؟ أم أن الإنسان هو من يتحكم في توجيه الآلة وفق متطلبات حياته؟

لا أحد يستطيع أن ينكر بأن للآلة الفضل الجمّ في تيسير حياة البشر من عدة جوانب أهمها أنها اختصرت على الناس الجهد المضني الذي كانوا يبذلونه في التنقل من مكان لآخر خاصة في منطقة الخليج فالناس قديما كانوا يستعينون بالجمال التي كانت تمخر بهم عباب الصحراء المترامية الأبعاد ، وأيضا كانوا يلجأون إلى السفن التي تشق أهوال البحار والمحيطات ، أما اليوم وبفضل ما حملته الحضارة من آلات سهلت على الناس طرق تنقلاتهم وجعلت خارطة العالم وكأنها في كف اليد يستطيع الإنسان بين غمضة عين والتفاتتها أن يصل لأقصى نقطة في أي مكان من العالم، وبالرغم من أن هذه التقنيات المتطورة قد جلبت كما هائلا من التحضر وتوفير الكثير من الوقت إلا أنها عندما أتت تطرق الأبواب وأطلت علينا بنظراتها الحادة  كانت تحمل في جعبتها الكثير من السلبيات المدمرة والهدامة والتي لا يُرى تأثيرها إلا بعد مرور ردحا من الزمن ويتمثل هذا التأثير في ظاهرة البطالة التي انتشرت وخاصة بين الشباب الخليجي وأصبحت تمثل نسبا كبيرة وصلت إلى أكثر من60 % من مجموع العمالة في الدول الخليجية فأصبحت هذه الفئة من الشباب وكأنهم قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت، وكذلك ظاهرة إدمان المخدرات والتي غدت تحصد ضحايا يافعة يسجل لها التاريخ أولى خطواتها في دروب الحياة، هذا بالإضافة إلى ظاهرة العنوسة والتي استفحلت بشكل كبير في السنوات الأخيرة وقياسا بالزمن الماضي فان مصطلح العنوسة لم يكن له وجود متداول بين الناس، لكن إنسان اليوم يدفع كل يوم ضريبة التكنولوجيا المعاصرة التي وصل استخدامها في المجتمع إلى درجة كبيرة من الإسفاف والتمادي فتطبعت الأجيال الحالية بطابع (العولمة) أو بالأصح (الأمركة) فغدا كل جيل منها يحمل سمات الفساد أكثر من الجيل الذي يسبقه، ومما يثير الدهشة أن الجملة التي أصبحت تمضغها أفواه الكثير من الناس هي : ” لا وقت لدينا فنحن نعاني الكثير من ضغوطات الحياة ” فكيف يعاني الناس من ضغوطات الحياة وكل شيء أصبح متوفر بضغطة زر فقط ؟! وهل اقترنت صعوبة الحياة بالتطور الذي كلما تعمق في لب الحياة البشرية جعلها أكثر قربا من معدلات التعقيد المتزايدة ؟! فالملاحظ في السنوات الأخيرة تسارع الوقت قياسا بالانجازات التي يستطيع الإنسان أن يحققها في حياته  مما جعله لا يشعر بلذة ما ينجزه من عمل؛ لان اغلب الواجبات والانجازات التي يؤديها الإنسان لا يبذل فيها مجهودا كبيرا فالآلة تلعب الدور الكبير في إتمامها وانجازها على أتم وجه مما جعل الحركة والنشاط البدني يقلان وبالتالي أصبح جسم إنسان اليوم جذبا للكثير من الأمراض المعاصرة كمرض السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب المختلفة ، ومن الظواهر البالية التي سيقت إلينا تحت مصطلح التكنولوجيا هي المسلسلات التركية المعربة التي اكتسحت ساحة الفضائيات العربية في الآونة الأخيرة وكأنها موجة جارفة تعمل على تحويل الفكر العربي الإسلامي إلى هشيم تذروه الرياح العاتية والمساندة للفكر العلماني ، وهناك صورة أخرى من صور التخلخل الأخلاقي أبرزتها تكنولوجيا الاتصالات وهي الاستخدام الغير ايجابي لتقنية البلوتوث والذي أصبح الشباب من خلاله يبحرون في سيرة غيرهم فيروجون لفضائح الناس بطرق بعيدة بتاتا عن الرقي الفكري وأصالة الخلق العربي.

ومفهوم التطور الحضاري الذي ولج إلى عالمنا أصبح يلف حياتنا بغلالة سميكة من تبلد المشاعر الإنسانية فغدا التواصل والتزاور بين الأهل كالواجب الإلزامي الذي يريد الإنسان أن يؤديه ويقع عن عاتقه فحتى المناسبات الدينية كرمضان وعيد الفطر أو عيد الأضحى أصبحت السمة البارزة في تبادل التبريكات والتهاني تتم عن طريق رسائل الجوال النصية والتي لا تتعدى أن تحمل بعض الحروف في الرسائل المتداولة والخاصة بتلك المناسبة فلا يكلف الإنسان نفسه حتى عناء القيام بالتواصل مع الأهل ولو بمجرد الاتصال الهاتفي، وفيما مضى كانت قلوب الناس تتوق بكل شغف إلى حلول أي مناسبة من اجل التزاور وقضاء الساعات المتواصلة والأوقات الممتعة مع الأهل.

لقد كان الناس في الخليج فيما مضى يشعرون بلذة اللحظة التي تطوف بهم عبر التجمعات المسائية بين الأسر والتي تحفها الحكايا البسيطة والمشوقة، فتلك التجمعات كانت هي العلامة الواضحة في سمات البيئة الخليجية، أما اليوم فإن الطفرة قد طمست هذه المعالم الجميلة والتي بدأت تفقد توهجها كما عملت الطفرة على تغييب العديد من المفاهيم ذات الأبعاد الإنسانية والاجتماعية العميقة وكذلك تقليص دور التفاعل الأسري، فالتجمعات العائلية على وجبة الغداء أو العشاء تكاد تكون معدومة في معظم البيوت الخليجية بفعل توتر الحياة الذي ولّدته الحضارة وغذته التكنولوجيا، فأصبح الهاتف النقال هو وسيلة التخاطب بين أفراد الأسرة الواحدة الذين يجمعهم سقف بيت واحد، فهل أصبح الوفاء الأسري والأخوي يقاس بعدد الاتصالات أو بكمية الوقت الذي تتم خلاله المكالمات الهاتفية ؟ ومهما وصل البشر من تقدم فإنهم سيظلون ينقبون جاهدين عن ذلك الجزء النقي من ذواتهم الذي بدا يتلاشى وسط الذبذبات والإشعاعات الكهربائية التي بدأت تثخن حياتهم فغدوا يسيرون في طرقات الحياة وكأنهم يزيحون بأيديهم تلك الجزيئات الهوائية المثقلة بالتلوث التكنولوجي والناتجة عن الثورة الصناعية بكافة أشكالها.

ولم يقتصر التبلد المعاصر على العلاقات الأسرية والإنسانية فقط ولكنه امتد أيضا ليشل حركة العقل البشري والذي أصبح الإنسان لا يستغل إلا جزاءا يسيرا منه قد يصل إلى 30% ؛لأن الحداثة فرضت نمطا من التفكير يقوم على أخذ المعلومة جاهزة وبدون أن يكلف الإنسان نفسه عناء البحث عنها في المراجع والكتب أو استنباط  حقيقتها بالتفكير والاستنتاج فأصبحت شبكة المعلومات العنكبوتية (الانترنت) هي مصدر لكل المفاهيم العلمية فهذه الشبكة تقوم بنقل الخبر بسرعة البرق إلى كل أصقاع الأرض،وحتى الزواج الذي يعتبر أقدس وأنبل العلاقات الإنسانية أصبح الاتفاق بين أطرافه يتم بالطريقة التكنولوجية في ظاهرة حديثة من نوعها أُطلق عليها اسم (الزواج الالكتروني) والتي ظهرت في السنوات الأخيرة مما أدى إلى قيام بعض الناس وبدافع التطور إلى هجر الطقوس الجميلة لخطوات إتمام حفلات الزواج ، كما أنه وعن طريق الانترنت استطاع  الناس أن يقوموا بالتسوق الالكتروني والتواصل مع اعرق الجامعات الأوروبية والالتحاق بمقاعد الدراسة من خلال المراسلة والدراسة الالكترونية ، وهذه التغييرات في العادات والأنماط الفكرية والسلوكية الناتجة عن التغييرات التكنولوجية فرضت على الكثير من البشر هجر الثقافة المكتوبة والمتمثلة في الكتب وقراءتها وبالتالي نضوب الفكر الإبداعي الكتابي خاصة في منطقة الخليج فالملاحظ أن هناك قلة في الأقلام الإبداعية المتجهة إلى عالم الكتابة وتأليف الكتب إلا أن هذه الفئة القليلة لا زالت تؤمن بأن المجتمعات المتحضرة هي التي خلفت وراءها آثارا مكتوبة تشير إلى مدى تقدم فكر المجتمع وأيضا تشير إلى تخليد فكرمن قام بتأليف هذه الآثار، وكما إن هناك تأثيرات أفرزتها الآلات التكنولوجية كالانترنت مثلا بشكل غير مرغوب فيه من حيث تأثيرها على أنماط العلاقات بين الأسرة الواحدة كانشغال الأب والأم  الدائم عن الأبناء والذي قد يصل لساعات طويلة يقضونها أمام شاشات الكمبيوتر وإهمال إشباع الجوانب العاطفية لدى أبنائهم نتيجة غياب التواصل المنتظم معهم والاستماع إليهم مما أدى إلى انتشار التفكك الأسري،ومن ناحية أخرى فان تكنولوجيا الانترنت استطاعت أن تساعد على تزويد الأم بطرق التربية المعاصرة في تربية أبنائها وكذلك تعتبر وسيلة ترفيه تعود أحيانا بالفائدة على الأبناء إذا تم استغلالها بصورة حضارية مفيدة،فالتطور يحوي بين طياته المنافع والأضرار معا.

وقد يتساءل البعض لماذا يصاب الناس اليوم بكثرة النسيان والإصابة بالخرف المبكر أو (الزهايمر) بالرغم من أن الدماغ البشري أصبح جلّ اعتماده على المعلومات التي يتم تحميلها عبر شبكة الانترنت؟ ولكن السبب الرئيس يرجع إلى كثرة إنهاك الإنسان لدماغه بالتفكير المستمر في كيفية الوصول إلى السبل التي يتم من خلالها توفير المعدات التكنولوجية الحديثة التي تسهل الحياة كالسيارة والتلفاز والهاتف والكمبيوتر.

والمعدات التقنية الجديدة والتي دخلت كل بيت وكل مكتب بدون استئذان وذلك تماشيا مع متطلبات الحياة التي تحتم وجودها بشكل مستمر تبقى دوما على حالها لو لم يقوم الإنسان بإبراز الحد السلبي منها فهو من يسيرها سواء للبناء أو للهدم ففي كلتا الحالتين يبقى هو المسؤول عما يبدر من التكنولوجيا من نتائج سلبية وذات تأثير غير مرغوب فيه على المجتمع الإنساني أي حسب تحديده لوجهتها، وبالرغم من استطاعة الإنسان وقدرته في أن يجوب مجرات الفضاء وكشف خباياه الدفينة بفضل الثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي سخرها لخدمته إلا أن المركبات الفضائية والاختراعات الجديدة تبقى قاصرة لا تخلو من خلل كالذي صنعها فهو في كل حالاته بعيدا عن الكمال التكويني والعقلي، إلا أن الله تعإلى قد سخر له فكرة الاختراع التكنولوجي للآلات المختلفة من اجل أن يخلق لنفسه ولغيره الحياة الميسرة فعلمه ما لم يكن يعلم ، فلماذا يعمد بعض المخترعون على تضمين السلبيات لبعض الآلات من اجل تدمير بني نوعهم ؟ فإلى جانب قدرة الإنسان على التعامل مع التكنولوجيا كسلاح ذو حدين إلا انه قد يعلن عجزه وفشله في حال تم الاستغناء عنها، فرجل الأعمال والموظف العادي قد تنشل حركة نشاطهم إذا طلب منهم العمل يوما واحدا بدون وجود جهاز الهاتف النقال معهم!

وكما امتد الزحف التكنولوجي إلى عالم الكبار فان أطرافه امتدت لتطرق أبواب عالم الأطفال أيضا فأحيانا تعمل التقنيات الحديثة على اغتيال براءة الصغار من خلال ما يبث لهم عبر الأقمار الصناعية والفضائيات المختلفة والتي لا تتهاون في عرض كل شيء حتى لو كان ما تعرضه من برامج تخلف آثارا سلبية على نفسية وسلوك الأطفال وتخدش الحياء وكذلك تؤدي إلى بناء عقلية الطفل العربي وفق اطر غربية بحته، فللأسف إن ما يصدره العالم الأوروبي حاليا للطفل العربي يتنافى جملة وتفصيلا مع مبادئ الشريعة الإسلامية ومع العادات العربية الأصيلة، وبالإضافة إلى البرامج الكرتونية هناك أيضا العاب الفيديو أو الألعاب الالكترونية الخاصة بالأطفال والتي قد تصل بهم إلى حد الإدمان عليها نتيجة لاستخدامها الغير مدروس والذي قد يصل إلى ساعات طويلة ومتواصلة، كما أنها تستنزف طاقاتهم العقلية وإبداعاتهم الفكرية فالأطفال الذين يلجئون لمثل هذه الألعاب يميلون إلى قلة أو انعدام الملكات الخلاّقة والمبدعة ويكونون أكثر ميلا إلى استخدام القسوة والعنف مع إخوتهم وأقرانهم تطبيقا لما تعلمه من حركات عنيفة من تلك الأشرطة المعلبة والتي قد تزرع بذور الانحراف في نفسه، فمع هذه الموجه التكنولوجية المتجهمة يجب على الوالدين أن يحيطوا أبنائهم بسياج رقابة محكمة لمعرفة كل ما قد يتسرب من معتقدات ومفاهيم إلى المنافذ السمعية والبصرية والعقلية لأبنائهم.

وبالرغم من قدرة الإنسان على اختراع احدث التطورات التكنولوجية لجعل الحياة أسهل إلا أن البعض قد يتساءل هل يستطيع الإنسان أن يخترع  أجهزة  قادرة على إطلاق ذبذبات كهربائية تعمل على تقريب قلوب البشر ومشاعرهم مثلما قربت عوالمهم فغدا العالم بكل محيطاته وبحاره وتضاريسه الجغرافية كالقرية الصغيرة؟

مشاركة هذا المقال

شاهد أيضاً

عبدالعليم حريص: اليوم الوطني للإمارات.. 46 عاماً من الاتحاد

يعتبر يوم الثاني من ديسمبر من كل عام، ذكرى محببة لقلب ووجدان كل إماراتي، وعلامة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.