الأحد , نوفمبر 18 2018
ar
الرئيسية / ثقافة وفنون / ثقافة /  على تجاعيد الموج  “صوتها “

 على تجاعيد الموج  “صوتها “


قصة بقلم : الدكتورة دلال مقاري

 كل ما أتذكره الآن سأغمس به فرشاة ألواني بحرية ! لتنزاح الى المجاز

د. دلال مقاري

 مما يتيح لحكايتي الذهاب بعيدا في عربات المعاني !

 ذاكرتي على كفي تنبض بهواجسي ، بريشة القلق تخط قدرها الجديد

ريشتي المتصوفة ، تبحث بذهنية الشخوص عن الحقيقة أمام الوهم ، عن النور  أمام الظلام ، عن التأمل في أوراق الحياة .

 ذاكرتي تتوهج ، أبصر فيها سكينة مطمئنة

 يتردد فيها صوته ، بغصة رجاء ! وآخر الوصايا التي رشقني بها

 ( لا تطمئني الى الموج )!!

 وينفرد البحر أمامي مجعدا بالموت !

أعيد الثقة لفرشاتي كي ترسم التاريخ ، بوصفها تحديا من الاحساس والرهافة  والحلم .

وكل حركة ، ورفة لون هي انتصار على الموت ،إذ لامفر من الذكريات تضئ  السراج المعلق آخر النفق ، تدق باب الماء ، تجمد كموت شفاف .

فجر يوم بارد ، وشاطئ الوداع الذي يتحدث لغتي ، يحذرني من هدير البحر ،  ويقشر لوز الروح ليتركني عزلاء أمضي الى طاحونة الطريق

يد صديقي العاجزة ! تجرني كي أعود ، وترشقني بالوصايا ومخاوف النعش .

مركب الرحيل المنتظر لا يتسع لأحلامنا ، نجلس على حواف سكين المغامرة ، وتتمدد أرواحنا في قبو الذاكرة ، لانحلم الا به  ! ذلك الوطن الذي أفرغناه ،  ولم نفرغ منه !

 قدنا المنحني يخبئ الآمال في جيوبنا المثقوبة ، نتلو دعائنا المؤجل ، ونبحر !

 للمتوسط وجه آخر لا يدركه سوى من لمس حد الموت، على تجاعيد موجة

مخاوفنا التي استيقظت لحظة وداعنا الشاطئ ، عفرت وجوهنا بحكايا ممزقة  وشجون .

  ( يا رب السماوات ، نجينا من الماء )

عينا طفل مهاجر مثلي ، تعلقتا بفرشاة ألواني ، أستعيد خوفهما المكسور ،  وارتعاش ابتسامة ذبلت على وجهه .

أرسم له بيتا آمنا ، وأرجوحة  ،ودراجة ، ورغيف خبز ، وأما تنتظره على قصعة طعام ، بعد رحلة المعارف في المدرسة ، أفتح له نافذة خارج  الاحتمالات !

 الأمواج تدفع المركب الى الجحيم ، فاجرة ، ترشقنا برذاذ كالزجاج المكسور،

 تهددنا بالخزف الأزرق ، ينفتح على الأعماق.

كلما ابتلعنا طريق الموج ، هزني جوع  ذكرياتي ، وخطواتي المهزومة في أرض الحنطة ، شهوتي الى الحياة ، تنز من جرحي المفتوح ، أرشقه بالماء  المالح،  كي لا أسقط في هاوية الندم ، هل أعود ؟

 صدع في مركبنا ، يمنح للموت خيوط اللعبة !

 ليجلس وراء الدفة ، ينحي الكابتن من مكانه ،  ويقودنا الى حتفنا .

ريشتي تقول : الموت كان جالسا معنا طوال الوقت، يمزق شراعنا الأبيض ،  يهيئ لنا الميراثي ، ويجدف بأحلامنا الى الهاوية !

ذاكرتي ترتق ما تفسخ من روحي وتجهش بالتفاصيل ، ( هناك ولدت ! هناك اشتعل الرصيف تحت تفتق حذائي ، ونسلت روحي ، وكسرت فرشاة ألواني بيد العاصفة ، وهناك سقطت أتمرغ في بكاء ألواني ، حين اشتعل مفرق صدري ، وداستني نعال برائحة أعقاب السجائر ،هناك صمتت أغنياتي  وسنوات دست خطأ في معطف عمري .)

 العاصفة تشتد ، ويزبد الموج برغوة ، كأنها جثث قد سبقتنا الى مقبرة البحر ؟

قيء حامض يدور في أحشائي ويقف على ممر ضيق في ذكرياتي( أقرع بوابات مدينتي المشتعلة ، يا رب ، جفلت مهرتي والضباع التي تفلتت في زمن العنف وخفقان الموت ، خدشت عناية الملائكة التي تحرسني وقصت ضفائر  حكايتي ! وعبأت رئتي بعويل مسموم ) هل أرحل ؟

المركب يهتز في رقصة الموت الأخيرة ، يعلو ويهبط ، يرمينا في العتم ، أسقط في تجاعيد الموج الفاجرة ، أكز على شفتي ولغتي ، أهبط ،

تسحبني نبتة سحرية بعيدا الى جوف الأزرق ، أتمرغ في أصداء مذعورة ، أبحث عن  حالي لأجمعني مجددا في صندوق روحي !

 البحر فخ لين ، تغرقنا أمواجه ، تبسط لنا كف الزبد ، تتحرك لتهرسنا .

الأمواج تدفعني وحقيبة ذكرياتي المثبتة على ظهري  بعيدا عن الشاطئ

 المنتظر ! ذلك الشاطئ التعب من كبو حطام السفن وطوفان جثث الغرقى.

( مدينتي القديمة ذات الصباح الصافي ، مرغت وجهها الرملي ، بشحم البغض  اللزج ، تزبد به ماكينة الموت ! تمد مخالبها الى شروخ الجدار

 وأقبية الروح وحليب الأمهات ، كلماتي التي ضلت طريقها الى النبع

انطفأت كنافورة ماء سدت عينها بصخور النيازك المشتعلة ، تتطاير من كل صوب .)  ياالله وكيف أرحل ؟

 يتردد صوت رفيقي في أعماقي الجامحة : لافوز بالهرب !

يهزني جوعي الى الهرب ، وتنسكب الألوان الحائرة في البحر ، تتبعثر في  صمت ، تمزجها فرشاتي المغامرة .

أجدف ، أسبح ، أوقظ شهوتي الى الحياة ، كي لا أمنح الأمواج الجاحدة لحظة  وداعي ! فمازال لدي الوقت ، كي تطمئن حكايتي وألواني الى الشاطئ .

لن أعلن هزيمتي ، بل سأمنح فرشاتي ، وعدي لها بأن ترسم اللوحات خارج  الاطار ! لتشرد أحلامي من الباب المفتوح .

من بعيد ألمح ضوء برتقالي ، بيني وبينه ظلمة لا تغيب ، وأشباح أربكت  الصمت .

( لافوز بالهرب ) رنين صوته  المعلق في أذني كحلية قديمة ، يتكسر كسفينة  على صخور الشاطئ .

أغمس فرشاتي ، في عنفوان ذاكرتي المجروحة ، أضغط على تفاصيل  الصور ، لأزاحم الفراغ وأملؤه بخطوط تهرب من دهاليزي  .

( أخرج من دخان الكلام شاردة ، للريح خطواتي ، للكتمان صوتي ، للأموات عويلي ، وفرشاتي تهدهد حزني كي ينام ، توقظ الموتى بغناء العندليب دقت  حنجرته ! ) أريد الهرب!

لا أجرؤ على الالتفات الى الأطياف الضالة مثلي في عتمة الأمواج ، هشة  تتلاشى في قبو البحر ، بحكاياها وأحلامها ، ترفضها كل ضفة .البحر قبر لألواننا المختلفة ، أحلامنا المختلفة ، أصواتنا المختلفة ، وصرخاتنا التي تفزع الهواء بشهوتها للحياة .

أنزلق الى الأعماق ، أتلمس مساماتي المتعبة ، كم أنا متعبة ، فرشاتي

تلطخ الظلال ، والقاع ، والظلمة، بخيوط من نور ، وارفة كخطوات نيزك على وجه  الماء .

 ألملم زهور عمري في إناء مكسور ، هشمته كلمة مستبدة !

أمسكي بي أيتها الفرشاة  وليعلو صوتك الخافت ، أيتها الألوان ، اسحبيني وذكرياتي وحلمي الصغير ، من فمه المفتوح ! من انحناءات الموج وعتمة  الأزرق تنغلق على أصواتنا وذكرياتنا وأسرارنا .

 (ياوطني  ، جفلت خراف أحلامي من الذئاب الضالة

 تطرق بابنا الآمن

 تدهن ايامنا بالقلق والحيرة

 وتدفعنا إلى حكايا البحر)

اريد ان أبحر الى هناك ؟ متورطة بالأمل وبضفة لا تفسر ألواني بالفجور  منفتحة على لغة جديدة ، تربكني مفرداتها ولكن لا تحيلني الى الصمت !

سأرسم النهار بفرشاة ، ألوانها لا تموت  كمفارق الفصول ، سأبتكر طرقا  جديدة لنحت الروح من السموم وقيء العافية والزهور الذابلات !

أدفع عني الموج ، بفرشاة ذاكرتي ، آخرون مروا من قبلي هنا ، وتواروا في  شحيح الضوء وحشد الزبد .

ورق التذكار يجدف معي ، في عودة الى شاطئ مألوف ، بلل خطواتي على الرمل ، وأدخلني في فقاعة الألوان التي أعشق ، خافت مثل صوت

 الأصداف ، تتنفس حكايا البحر .

جسدي لن يضعف ، تهمس لي الألوان بتواطؤ ! سينفلت لفكرة النجاة والضوء البرتقالي يقترب ؟ هل أنجو ؟

طوبى لمن علمني السباحة ، الطفلة التي كنتها ، يلونها البحر برعشات السمك  وحوريات الأعماق ،، طوبى لمن علمني السباحة .

عينا الطفل المهاجر مثلي، تتراقصان في تجاعيد الموج ، جائع كان ، أم ضللته  قذيفة حاقدة ؟

 هو الآن يجمع بقايا لحنه القديم ، ليغرد في فج عميق ،،عميق ،، عميق …

 على شفاهي لغة تصارع ! وفرشاتي تنغمس بلغة أخرى ؟

لم أصرخ كغيري  ( أغيثوني ) لأنني تعثرت بين أفعال الماضي وحروف العلة !

 ما الذي يلضم العقد بيننا ؟ غير الأفكار والهواجس ! تجر عربتنا الى المقاصد.

ألتقط أنفاسي المسمومة ، برائحة لا تناسب البحر ! وتطفو ذكرياتي على صفحة الماء  .

 ( من نافذة حذرة مفتوحة على مقبرة لم تعرف بعد حدودها ، أطل !

كان يحمل أملا لم ينطفئ في زيتون عينيه ، كان يقطف تفاحة العمر ، حين أطل ! كان يحرث جثث القتلى وينقب في رؤوسهم عن دهشة الموت ، حين

 أطل! كان يرجم شيطان قاتله حين أطل !

كان يمشط فوضى خطواته حين أطل ليفتح القناص عينا جديدة في رأسه

المشغول على مهل بعناية الرب ، عينا جديدة فارت بموجة حمراء ، وصرخة  أضاعت طريقها الى الألم !)

اليابسة تهزأ من غثياننا وتبتعد أكثر موشحة بالسواد ، والقاع فم مفتوح وتابوت  يحصي المكاسب ، طامع بالمزيد !

رائحة البحر الجديدة تثقل شهيقي ، هل هي الأجساد التي تفسخت قبلنا ؟ هل هو القيء الحامض في أحشائنا الملتوية ؟ هل هي رائحة احتراق ذاكرة هربت من قبضة ريح ؟

نور زائف يتأرجح على صدر البحر، وذاكرة مجنونة تنفلت من رأسي  تصارعني كي لا أستسلم لمكائد الموج .

(قهوتي الباردة ، يغزوها العفن ! قالوا لي مضت ثلاثة أيام ، وأنا أتأمل جثته المحنطة بموجته الحمراء ! قالوا لي بأنني قبّلت’ العين الثالثة وقطفت عنها ريحانها الأحمر بشمع أصابعي ! قالوا لي بأنني غنيت ثلاثة أيام ، أحتضن جسده المنطفئ ! وأطحن النجوم المنهمرة من السماء لأحشوها في عينه الثالثة كي تضيء نيئة في نهار يتلوه بكاء ! قالوا لي فنجان دمعك الصامت انسكب  غماما ،  قرب نافذة ، حيث أطل . ) هل أغادر ؟

أتذكر المذاق الأول لفكرة الرحيل، ( الحلم تبعثر كثرثرة ، في قبو البيت !

وأوروبا بوجهها الباسم تبشرني بعالم جديد ، سيصطخب في أوردة ألواني  وفرشاتي .

بغيابه غربت شمسي ، على نافذة شهدت آخر طلة ، وآخر رجفة ، وآخر

فنجان من القهوة ، بقى ساهرا في صمت قرب شفاه  مضت قبل ان تغرق في  ضفاف الهيل !)

يسُيجني البحر ، بأنفاسهم عبرت صدفة على موجي ، بصرخات تعلو كجدار ،  ثم تهوي ، بقلوب أدماها الحنين ، لغرفة هربت من الحكايا وغرقت بالياسمين .

مياه مالحة توارى فيها آخرون من قبلي ، تدخل أنفي وفمي ، ولا احتمال

 للنجاة ،ما لم تفتح ارواحنا ، بوابة هشمتها الطرقات ؟

أرى طائر كبير بعين واحدة ، يقترب بضوء برتقالي ، له هدير ليس كالحمام ؟  أصغي إليه وتئن فرشاتي ، تطوف بيني وبينه كي يراني !

 يخونني صوتي ، والموج يشد وثاقي ، أيتها النفس لا تنطفئي،،،،،

بما تبقى من رمق في فرشاتي الصاحية ،  ارسم الضفة المنتظرة ، وصخور  الشاطئ .

البحر يزبد بأكفان جديدة ، يلهو بأوجاعنا ، برقصة التانغو الأخيرة وبأحلامنا  تكسرت كجناح ، في خفة التحليق وهوت !

الطائر الكبير يقترب ، هديره يجلل أصوات العويل والصراخ التي يلفظها  البحر بسأم ؟

 يرمي من جوفه حبال السرة ! أو حبال الخلاص ؟

الضوء البرتقالي ، يسقط على وجه البحر ، كغطاء ليصمت نعيق الغربان  وسؤال الموت المنحدر على حافة الهاوية .

أخرج من سرابي، ألامس جرحي المعتق في ضلوعي ، تتفجر في الألوان ، تطلقني مخيلتي الى السفر حذرة أتعلق بحبال النجاة ، أتفلت من نبتة غادرة  تشدني الى الأعماق ،

يناديني صوت بلغة غريبة ، يمد لي يدا بيضاء ، أصهل بشوق للكلام

ساعدوني ، ارتلها بكل اللغات ، ارفع اشارات في الهواء , أجمع أحرفا  التصقت في جوفي ، ساعدوني .

 رغبتي تهيم قليلا  في السماء، ثم تهبط مثل صراخ في اناء فارغ .

تعلمت السباحة ترفا في شواطئ بلادي ، لتمنحني الآن فرصة كي أتسلق  جدران أفكاري وأتحدى موتي البارد .

فرشاة ألواني لازالت تعمل وتحلم ، أغمسها في أفعال المستقبل والضمائر المتصلة ، أغطي بها وجه البحر المجعد !أرسم بها نافذة ، أطل منها وجه  حبيبي ، يوما قبل ان يسقط في غرقه الأحمر .

أياد كثيرة تراءت لي تصعد بأمنيات مبتورة ، ثم تتلاشى في الخزف الأزرق .طوق النجاة يتلقفني ، ألونه بالبرتقالي ، لون الحياة الجديدة ؟ بلمحة قلق أودع الموج ، أحاول أن أستعيد رجاء صوتي لأبحث عن رفيقي الطفل المهاجر  مثلي ، ربما تحول الى زنبقة سوداء في مقبرة المتوسط ؟

أكمل لوحتي متوجسة من القادم ! أرسم جثثا مزهرة ، وأشلاء تنبت في موعد جديد ، أدفن حزني عليهم ، في لون برتقالي , وأوقظهم في عناوين جديدة ،  بفرشاة ما جفت الوانها ، أزين براءة ايحاءاتهم في ذاكرتي ،

أزيف الحقائق المرة ، بزورق كبير يحتمي باليابسة ، اجعله برتقاليا يتسع  لخيباتنا وأحلامنا وبراءة فهمنا واخلاصنا للذكريات .

زورق النجاة ، يسحب الألوان التي لطختها فرشاة ذاكرتي على وجه البحر ،  وتتوهج رغبتي غواية فاجرة بأن لا أتوقف عن الرسم .

مشاركة هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.