صدر حديثاً ..: ذكرى حائرة  لـ عاطف الشاذلي.. رواية تعكس قضايا إنسانية وترصد تغيرات مجتمعية

Spread the love

القاهرة – مجدي أبو الخير:

صدرت مؤخراً رواية “ذكرى حائرة” للكاتب المصري عاطف الشاذلي عن دار الناشر للطباعة والنشر والتوزيع، الرواية جاءات في 150 صفحة من القطع المتوسط.  حيث تسلط الضوء على قضايا اجتماعية وإنسانية، وترصد الكثير من التحولات والتغيرات التي لحقت بالمجتمع مؤخراً من خلال الأحداث والشخصيات التي جسدت هذه الملحمة الاجتماعية، بلغة عالية، وتنقلات بين الأحداث والشخوص بمنتهى الاحترافية، ما يدلل على أن السارد العليم يمتلك ناصية الحبكة الدرامية والمسارات التي تحرك الأحداث داخل العمل الروائي (ذكرى حائرة).

حيث راعى (الشاذلي) من خلال الرواية الدوافع النفسية للأبطال، مع وضع لمسات إنسانية في رسم شخوصه، ويتجلى ذلك من خلال حكاية أب بعد مسيرة عمرهـ يكتشف أن له ابناً من زواجه من امرأة ثرية طلقته، وهو لا يعرف أنها حملت منه وأعطته مبلغاً كبيراً، وبعد أعوام يكتشف أن قائد الطائرة يحمل اسمه قيسترجع القصة كاملة.

 إلى الإنسان… حين يتخلص من طباعه الخشنة، وينظر إلى جميع الأمور بعينين اثنتين لا بعين واحدة، عندها سيصل إلى الإنسانية وقيمتها السامية…”.

ظلت طموحات المرأة في المجتمع العربي الشرقي لقرونا طويلة تنحصر في شيئين لا يتغيران أبدا، «الزوج» و «الأمومة»..

ورغم أن المجتمع ظل طوال هذه الحقب الزمنية مهمشا لها ويعتبرها كأنها مجرد آلة ملبية لخدمات الرجل لا أكثر حتى وإن تعرضت للمهانة والظلم والقهر والعنف المفرط منه…

وفي تلك الحقب الزمنية كانت وصمة العار في الغالب دائما ما تكون مرتبطة بالمرأة، فنجد المجتمع غالبًا ما يصب لعناته وإساءاته على المرأة فقط حين تكتشف لها علاقة غير شرعية مع الرجل، حتى في حالات الطلاق تتجه كل التحليلات نحو المرأة فيلصقون أسبابه لسوء خلقها وعدم طاعتها للرجل وتظل بعدها مهملة وعرضة للتحرش اللفظي والجسدي ممن يعتبرون أنفسهم رجالا…

لذلك كانت المرأة مراقبة وممنوعة من غالبية النشاطات اليومية ونتيجة لهذا سلبت منها أغلب حقوقها لأنها من الممكن أن تقترب من المحرمات والكبائر، إضافة إلى العادات والتقاليد التي تغلغلت في الثقافات العربية حيث يجب على المرأة طاعة الرجل طاعة مطلقة وعدم مخالفة أوامره، فإن خالفت ستُضرب، لدرجة أن الكثير من المجتمعات العربية القديمة بعد تقلّص نظام «الجواري» تحولت الزوجة بالتدريج لتحل محل الجارية…

لذلك ظل الزوج هو المطلب الرئيسي والأهم للمرأة في الثقافات العربية طوال هذه الحقب الزمنية ومقدم على كل رغباتها أيا كانت كينونته وشخصيته سوية أم غير سوية…

والأمومة عند المرأة والمجتمع غالبًا ما كانت تأتي في مرتبة تالية بعد الرجل، حتى في حالات عدم القدرة على الإنجاب من جانب الرجل تستغني المرأة عن سعيها الحميم للأمومة وتفضّل أن تظل مرتبطة برجل طيلة حياتها..

ولأن الأدب دائما ما يرقب ظواهر المجتمع لكونه مرآة حقيقية تعكس الواقع الاجتماعي بكل قضاياه وتحدياته ويرصد التغيرات التي تحدث فيه من خلال تسليط الضوء على مشكلاته..

كانت أولى تسليط حالة التغير في مفهوم الأمومة هي الرؤية التي قدمها الأديب العالمي الشهير مكسيم جوركي» في روايته الشهيرة «الأم» التي كتبها في بداية القرن العشرين وبرز فيها بقوة دور الأم.. ورغم بداية الرواية بمعايشة الزوج الذي يعاملها بشكل مهين وتعرضها للضرب والإهانات منه، لكن بعد موت الزوج أعدت ابنها لتبني قضايا وطنية وتعاطفت مع رفقائه، وهنا يبرز بقوة دور الأم في الرواية كرمز للنضال والتحرر رغم المعاناة التي عاشتها…

كذلك تعاملت الروائية العالمية “بيرل بك” في روايتها الشهيرة «الأم» مع الأمومة بمنطق مختلف حيث تقاوم الأم الفلاحة ظروف الفقر وهروب الزوج من مسئولياته نحو الأسرة تاركا لها أولاده وأمه، فتضطر الأم للعمل في الحقول حتى تنفق على أولادها وأم زوجها وتدخر مبلغ العمل وترسله من خلال البريد إلى نفسها مدعية أنه من زوجها حتى تحافظ على كرامتها وصورته أمام أهل القرية..

وبعد تغير وضع المرأة في العصر الحديث وحصولها على حقوقها في داخل ساحة العمل، بالتالي أصبح لها دخل غير مرتبط بالرجل يمكن من خلاله الإنفاق على متطلباتها فتغيرت بعض المفاهيم وأصبحت الأمومة عند المرأة غالبًا ما تأتي في درجة أهم من الزوج حتى أنها في بعض الأحيان كانت تمثل حالة استغناء كامل عنه…

ففي رواية بالحبر الطائر للروائية المصرية «عزة رشاد» تقدم فيها مفهوما للأمومة في زمن العولمة حين تتحدث فيها المرأة عن الكتابة بدموع النساء التي ما تلبث أن تجف وتنمحي بسرعة دون حدوث أي نوع من التغيير، كما طرحت كثيراً من القضايا التي تؤرق الواقع المصري بصفة عامة، والتي تتصل بالمرأة بصورة خاصة، فرصدت قضايا العاطفة بين الرجل والمرأة وعلاقة الصداقة وصراع الهوية داخل الشرقيين، كذلك تتعرض لقضايا القمع والفقر والاغتراب والانهيار القيمي والتفكك الأسري ونزاعات العنف والجريمة في معالجة تنحاز إلى الوجود الإنساني بصبغة أنثوية…

وفي رواية «هند أو أجمل امرأة في العالم ترتقي الكاتبة اللبنانية هدى بركات» إلى مستوى آخر في تصوير الأمومة لتتحول إلى كونها مجرد فكرة للالتزام بالظواهر الاجتماعية فقط…

وفي رواية أمي وأعرفها للكاتب الأردني «أحمد طملية» حيث يختلف فيها مفهوم الأمومة من خلال ثلاث أجيال فلسطينية بداية من نكبة عام ١٩٤٨ وظهور الأم بدور قوي خلال هذه الأجيال لتقبض على حلم العودة وتصر على إنجاب جيل محترم يدرك قيمة القضية…

وفي تلك الرواية ذكرى حائرة يحاول المؤلف التعرض لقضية بدأت تظهر بقوة في المجتمع العربي في الفترة الأخيرة وهي سعي بعض النساء إلى الأمومة» بعيدا عن الارتباط بالرجل، حيث إن بعض نماذج المرأة بعد أن أصبح لها دور وعمل ومصدر مستقل للإنفاق على حياتها ترى في الرجل عامل معوق لحريتها وترفها، لذا يمكن بسهولة الاستغناء عنه ووضع كل طاقتها وأحلامها في الابن..

تتناول الرواية قضايا المرأة في المجتمع العربي، وتستعرض تطور مفاهيم الزوج والأمومة عبر العصور. تسلط الرواية الضوء على ظاهرة حديثة تتمثل في سعي بعض النساء للأمومة مع الرغبة في الاستغناء عن الرجل، معتبرات إياه عائقًا لحريتهن بعد تحقيقهن للاستقلال المادي.

تبدأ أحداث الرواية بعودة “بسطاوي” رجل بسيط كان يعمل فني كهرباء (صاحب صنعة) في حي المطرية بالقاهرة، أثناء عودته من فريضة الحج على متن طائرة مصر للطيران، وهو يشعر بالفخر لنيله لقب “الحاج” بعد سنوات من الكفاح لتربية أولاده الخمسة، وأثناء الرحلة، يسمع اسم قائد الطائرة “هاني بسطاوي عز العرب”، فيصيبه الذهول والاضطراب، متسائلاً إن كان هذا الطيار هو ابنه من “زينب” زوجته الثانية، وهي السيدة الثرية والجميلة ذات النفوذ والسطوة والمكانة المجتمعية المرموقة، عندما التقى بها لأول مرة عندما ذهب لإصلاح بعض الأعطال الكهربائية في فيلتها بجاردن سيتي، والتي فاجأته بطلب الزواج منه بشروط غريبة، منها أن تظل العصمة في يدها، ألا يعيش معها في الفيلا، أن يكون اللقاء بطلب منها فقط وفي مواعيد مجهولة،  أن يظل الزواج سرًا مطلقًا، لتفاجأه بالطلاق تنهي علاقتها بعد فترة قصيرة، ومنحته مبلغًا ماليًا كبيرًا كان سببًا في تغيير مجرى حياته، ونعيمة زوجة بسطاوي الأولى وأم أولاده، وهي حاصلة على بكالوريوس تجارة، تمثل نموذج المرأة الحكيمة والصبورة التي وقفت بجانب زوجها في أزماته، أنقذت بسطاوي من تهمة سرقة كاذبة اتهمه بها جاره “حمدان” من خلال استخدام ذكائها وتضحيتها بمصوغاتها (ذهب والدتها) لتبرير مصدر أمواله المفاجئة أمام الشرطة رحلت عن الحياة بسبب مرض السرطان، وقبل وفاتها صارحها بسطاوي بقصة زواجه من زينب.

ومابين  صراع الطبقات المتجسد في الفارق الهائل بين حياة بسطاوي البسيطة وعالم زينب الأرستقراطي وتحدي السمعة في اتهام بسطاوي بالسرقة بعد ظهور الثراء عليه فجأة، وكيف أثر ذلك على أولاده (خاصة ابنه عادل الذي نُعت بـ “ابن الحرامي” في المدرسة) يتولد الصراع النفسي وحيرة بسطاوي بين ذكرى امرأتين؛ جمال وجاذبية “زينب”، وعقل وحكمة “نعيمة “. إلى جانب مفارقة القدر رغبة ابنه “عادل” (الذي أصبح مهندسًا) في الزواج من “سلمى”، ابنة “حمدان” الرجل الذي اتهم والده بالسرقة قديمًا.

ويشار إلى أن عاطف عبد العزيز يوسف منصور الشاذلي، كاتب شاعر وقاص مصري، من مواليد محافظـة القليوبية ــ قرية العمار الكبرى في 18 / 12 / 1964، وعمل كبير معلمين بوزارة التربية والتعليم (على المعاش).

وهو مؤسس صالون العمار الثقافـي (صالون قراجة)، ومؤسس ملتقى (الوسعاية) الثقافي، ومؤسس الاتحاد العام لمبدعي قراجة للثقافة والفنون، ورئيس مجلس إدارة جمعية الأدب والفنون المسرحية، ومحاضر مركزي بوزارة الثقافة، وأيضاً عضو نادي أدب قصر ثقافة عين حلوان.

  الإصدارات :

فسحة نهار (ديوان شعر 2011)، وحواديت قراجة (مجموعة قصصية 2012)، والله ياليل الله (ديوان شعر 2013)، وشقاوة عيال (ديوان شعر فائز بجائزة النشر الإقليمي لوزارة الثقافة 2015)، وحكايا الوسعاية (مجموعة قصصية 2016)، وعز الشباب (ديوان شعر 2018)، وقبل هد المصطبة (ديوان شعر 2019)، وخريف الحزن ديوان شعر 2020)، ووداع النورس (مقالات وإبداعات 2021)، ورد الهدية (مسرحية   2022)، وغاوي البنات (ديوان شعر 2024)، ودوَّار العيلة (مجموعة قصصية فائزة بجائزة النشر الإقليمي للقصة 2025)، وذكرى حائرة (رواية 2026)

وله تحت الطبع:

صور من حياة أبو سويلم (ديوان شعر) – سنابل (رواية) – طريق الحلم (مجموعة قصصية) – مستر موسو (مسرحية) – حج مدكور (مجموعة قصصية) – الفلاح الحاضن (مجموعة قصصية) – مخرفاتي قبل النوم (سرد وشعر)

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *