الشارقة للفنون تفتتحُ معرض «تدابير الجسد»

Spread the love

الشارقة – الفنر نيوز : 

افتتحت مؤسسة الشارقة للفنون أمس برنامجها للصيف بمعرض «تدابير الجسد» للفنانين ليلى ماجد وإنعام ظفر، الذي يُقام في الرواق 6 بساحة المريجة خلال الفترة من 13 يونيو/ حزيران حتى 20 سبتمبر/ أيلول 2026، بتقييم رجاء خالد، قيّمة مساعدة في المؤسسة.

يجمع المعرض بين منحوتات ولوحات وأعمال فوتوغرافية حديثة، تقارب حضور الجسد في الحياة اليومية لا بوصفه شكلاً مرئياً فحسب، بل كأثر ورغبة وذاكرة وحالة من الهشاشة والتبدّل. ومن خلال ممارستين بصريتين مختلفتين، يلتقي الفنانان عند اهتمام مشترك بما يتركه الجسد من علامات في الأشياء، وبما تكشفه المواد والأسطح والصور من طبقات خفية بين الحضور والغياب.

في أعمال إنعام ظفر، يحضر الجسد عبر انشغال الفنان بمفاهيم الموت والتحلّل والطقوس، حيث تتخذ الأشياء اليومية هيئةً رمزية، وتتحول الأشكال المألوفة إلى صور ملتبسة تقاوم القراءة المباشرة، منطلقاً من تصوير أغراض ولقطات وأماكن اعتيادية، ثم يعيد تشكيلها بصرياً لتصبح مساحات للتأمل في الفناء، والروحانية، والعلاقة بين الشكل واللون والمادة.

في عمل «ندّابات» (2026)، يستحضر ظفر صورة إنسان مطأطئ الرأس في حالة تعبّد أو حداد، مستلهماً أشكال البجع من أصص الزرع وبراعم سرخس الهليون القريبة من منزله في لاهور، وتوحي الرؤوس المنحنية في العمل بلحظة حزن جماعية. أما في عمل «بدون عنوان» (2024)، فيظهر مأوى غامض بسطح متلألئ ومنظور متحوّل، كأن الشكل يتابع نظرة المشاهد بدلاً من أن يثبت أمامها، ليبقى معلقاً بين جسم مألوف، وجوف خيمة، وفضاء مغلق يثير شعوراً بالحصار والتأمل.

ويواصل ظفر في «قمر أعوج» (2025) تحويل العادي إلى مشهد حالم؛ فما يبدو للوهلة الأولى جُرماً مضيئاً يتكشف لاحقاً كمصباح شارع صيغ بأسلوب مؤسطر، في إشارة إلى قدرة الفنان على إعادة بناء الأشياء اليومية من خلال التدرجات اللونية والقرب الشديد من الشكل. وفي «أن أرى ولا أرى» (2025)، تتداخل القراءات البصرية بين حبتَي دواء على سطح مائل إلى الصفرة وصورة وجه متحجر يكاد يظهر من داخل التكوين. أما عمل «عفوية الشك» (2026)، فيجمع أيدياً ممدودة في دائرة فضفاضة توحي بلقاء اجتماعي حميم خارج إطار اللوحة، لكنها سرعان ما تتحول بفعل ترتيبها وقربها من بعضها إلى مشهد أقرب إلى الأسطورة منه إلى التصوير المباشر.

في المقابل، تنشغل ليلى ماجد بالطاقة السينمائية للجسد، وبما تتركه الحركة والرغبة واللعب من آثار عابرة على المواد والصور. تتنقل ممارستها بين النحت والفوتوغراف، مستحضرةً جسداً لا يظهر كاملاً، بل يتبدّى من خلال بخار، أو ضوء، أو مطاط، أو طرفٍ تقترب منه الكاميرا. تستمد الفنانة ألوانها من الجسد نفسه ومن المواد المصنّعة التي تلامسه أو تغلّفه في سياقات العمل واللعب، لتنتج أعمالاً تحتفظ بسكونها بينما توحي بالحركة، وتجمع بين الحميمي واليومي والمسرحي.

في «بخار 07» (2026)، تعيد ماجد إنتاج لقطة لمرآة حمام مغطاة بالبخار عبر طباعة بالأشعة فوق البنفسجية على مرآة عاكسة من الألمنيوم. ومن خلال هذا الانتقال من الصورة العابرة إلى السطح العاكس، يتحول مشهد مألوف إلى مساحة حسية مفتوحة على احتمالات عدة؛ إذ تلتبس العلامات تحت البخار بين أثر جسد غائب، ولون بشرة، وتجريد بصري يلتقط الضوء والضباب والمكان والمشاهد في آنٍ واحد. يكشف العمل لحظة يومية بسيطة، لكنه يتركها معلقة بين الظهور والاحتجاب.

وفي عمل «ستائر» (2026)، تنتقل الفنانة إلى النحت عبر سلسلة من ستائر المطاط التي تتأرجح بين كونها حاجزاً منزلياً وكتلة نحتية مضيئة. تلقي الستائر ضوءاً دافئاً في فضاء العرض، لكنها في الوقت نفسه تستحضر علاقة المطاط بالجسد، بوصفه مادة تُستخدم للاحتواء والضغط والوقاية. ومن خلال شكلها الزاوي وحضورها داخل الصالة، تتحول الستائر من عنصر ديكوري مألوف إلى بنية مسرحية تستدعي وقوف المشاهد داخل مشهد صامت، حيث تتقاطع الظلال واللون والذاكرة المنزلية.

أما سلسلة «مُطارد» (2025–مستمر)، فتستكشف الرغبة واللعب عبر منحوتات مصنوعة من الفرو المزيف والريش والزينة البرّاقة، ومستوحاة من ألعاب القطط. تبدو هذه الأعمال تارةً كقبعات أنيقة أو طيور نادرة، وتارةً كطُعم بصري يحفّز الغريزة والانتباه. ومن خلال خفتها ولمعانها وحركتها المتخيلة، تفتح السلسلة مساحة للتفكير في علاقة الإنسان باللعب والمطاردة والانجذاب، وفي التشابه بين نظرة الطفل، ونظرة الحيوان، ونظرة المشاهد أمام العمل الفني.

يضع المعرض الزائر أمام صور وأشياء لا تطلب تفسيراً نهائياً، بل تترك له مساحة للشك والإنصات وإعادة النظر. وبهذا المعنى، لا يقدّم «تدابير الجسد» خلاصة مباشرة، بقدر ما يدعو إلى التمهل والتأني في المشاهدة، فالأعمال لا تكشف نفسها دفعة واحدة، بل تتبدّل مع الاقتراب منها والابتعاد عنها، ومع تغيّر الضوء وموقع المشاهد داخل الفضاء. وبين ما يبدو مألوفاً في البداية، وما ينفتح لاحقاً على احتمالات أخرى، يقترح المعرض تجربة قائمة على الإصغاء لما تخفيه الأشياء بقدر ما تعلنه.

ورشٌ تطبيقية مصاحبة

وبالتزامن مع المعرض، يقدّم الفنانان سلسلة من الورش التي تتيح للمشاركين الاقتراب من بعض الأسئلة والمواد التي تنشغل بها أعمالهما. ففي ورشة «من الصباغ الطبيعي إلى الطلاء»، يدعو إنعام ظفر المشاركين، من عمر 16 عاماً فما فوق، إلى استكشاف العلاقة بين اللون والمكان عبر تحويل مواد خام مستخرجة من الأرض، مثل الطين الفخاري والمعادن والأصباغ السوداء الطبيعية، إلى ألوان قابلة للاستخدام. ومن خلال عروض تطبيقية تشمل الطحن والترسيب المائي، يتعرّف المشاركون إلى طرق إعداد الأصباغ ومزجها مع وسائط مختلفة، من بينها الألوان الزيتية والمائية وتمبرا البيض، بما يفتح المجال أمام فهم أعمق لكيفية اشتقاق اللون من البيئة المحيطة وارتباطه بخصائص المادة.

كما تقدّم ليلى ماجد ورشتين تتصلان باهتماماتها بالسطح والصورة والمادة. في ورشة «توتر السطحي»، المخصصة للمشاركين من عمر 17 عاماً فما فوق، تنطلق الجلسة من جولة إرشادية في معرض «تدابير الجسد»، قبل الانتقال إلى تمارين عملية تستكشف صناعة الصورة بوصفها عملية ترجمة وتكرار وتحول. ويستخدم المشاركون كاميرات الهواتف، وتطبيقات المسح الضوئي، وأجهزة المسح المحمولة، وآلات التصوير وطرق الطباعة المختلفة، لإنتاج أعمال تجريبية قائمة على المجاورة والتراكب والتكرار والتشويه، بما يفتح نقاشاً حول العلاقة بين الجسد والتكنولوجيا والتحول المادي. أما في ورشة «النحت باستخدام اللاتكس»، فيتعرّف المشاركون إلى تقنيات بناء ألواح اللاتكس، من إعداد القوالب واللصق وإنشاء الوصلات، إلى الطيّ والتشكيل، وصولاً إلى إنجاز أعمال نحتية صغيرة تستكشف مرونة المادة وتوترها بين السطح والبنية.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *