قصة: هدى الهرمي
أمضى النهار يتسكّع في الشوارع التي تتخلّلها الأشجار خلف مجموعة من الأبنية القريبة من محطة القطار، بينما الشمس الرخوة تتدلى في الأفق لتعكس ظلّه الطويل وهو يهيم من مكان إلى آخر. لقد تجولّ طويلاً بين الأرصفة المُكتظّة بالباعة المتجّولين والطرقات المزدحمة بالعربات وأصوات الأبواق التي تصمّ الأذنين. ثم مرّ عبر قلب مدينة اللاشيء وكلّ شيء. لم يكن بوسعه أن يترك المكان الذي قضّى فيه ثمانية وعشرون سنة. لكنه فهم للتوّ مغزى تلك الرغبة المُلحّة في الابتعاد مسافة شاسعة كي يُبصر العالم من جديد.
شعر بإعياء شديد عصر ذلك اليوم، فانعطف إلى الشارع الرئيسي المؤدّي إلى المحطة مباشرة.
جلس فوق مقعد شاغر للمسافرين بعد أن حجز تذكرة رحلته ثم مدّ ذراعه إلى حقيبة كتف سوداء وأخرج كتابا متوسّط الحجم يحمل عنوان “ذئبُ البراري” لكاتبه المُفضل هرمان هيسه، ولم يعد منتبها لأي شيء آخر. ورغم انه انغمس في قراءة الرواية، لكنه شعر أن الوقت يتنفّس بثقل ريثما يصل قطار الليل.
كان في جيب سترته علبة سجائر. أشعل سيجارة وأخذ يدخنّ. فجأة ترك مكانه لرجل عجوز، وحملته خُطواته البطيئة إلى رصيف المحطة. وقف مُحاذيا السكّة الحديدية التي لا نهاية لها. وشعر بيقين تامّ بأن رحلته القادمة ستغيّر نمط أيامه الرتيبة وترسم مصيره المجهول.
حتى الآن، لا يذكر تفاصيل ليلته الأخيرة بالفندق، فقد نسي الجوع والقلق بعد أن غلبه نعاسٌ شديدٌ، ووجد صعوبة كبيرة في الاستيقاظ صباحا ومغادرة الغرفة التي غطست في هدوء عميق. لم يجد عملا لنفسه بعد الطّواف في شوارع المدينة وطرق الأبواب، ولم يكن يظنّ لحظة واحدة أن حياته ستنقلب رأسا على عقب، بعد أن فقد الأم الحنون وخسر وظيفته كمحاسب إثر نشوب خلاف مع صاحب الشركة بسبب غيابه المتكرّر واضطراره للعناية بوالدته المريضة. لكنه في المقابل كان على استعداد لمغادرة المدينة النابضة بالحياة والزاخرة بالذكريات.
خمّن أن دافعه الحقيقي للسّفر هو خوض تجربة جديدة، ولم يعرف قطّ ماذا كان مُحتملا أن يحدث حين يترك منبته وحاضره وكلّ شيء وراءه، ليركب قطار التاسعة ليلا، مع أنه لم يحبّ فكرة السفر في وقت متأخر.
أرّقه الإنتظار وتساءل ما الذي يجعل هذه اللحظات تبدو كساعات طويلة جدّا وكأنها تختزل سنوات عمره مثل صفائح جليديّة متجمّدة.
ابتاع كوب قهوة ساخنة من كافيتيريا المحطة وبقي واقفا في ركن مُضاءٍ وهو يُصغي باستغراق لأفكار تتعاقب دون خطّ نهاية، ورغم ضجيج الجموع من المسافرين خلفه أدرك أنه تائه ووحيد بشكل هائل. لكنه يشعر أنه سعيد بعض الشيء لأنه اتخذ قراره بالبحث عن طريق آخر لحياته.
ظلّ لفترة من الوقت يرمق السكك وقاطرات الجرّ والعربات. بينما تتناوب قطارات الذهاب وقطارات الإياب بانتظام زمني حادّ. وسرعان ما خيّم الظلام بقسوة، وارتفع الشفق الاحمر نحو الأفق ثم همد فجأة. بعدها لم يطُل قُدوم القطار، وهو يُطلق صفّارته القويّة ثمّ تتوقف حركة عجلاته المعدنية المتناسقة بالتدريج. لقد بدت له القاطرة في المقدّمة الأمامية بأنوارها الساطعة مثل نار مستعرة تحرّره من قبضة الفراغ الفاصل بين اللحظة الراهنة ولحظة نهاية الرحلة الليليّة عبر القطار الذي يتحرّك إلى الأمام ثم يتوارى بين البراري والجبال، فيتقلصّ الوقت كسطر جديد مُنفصل عن كلّ ما عداه.
أحسّ بالأرض ترتجُّ تحته. وهو يضع الحقيبة الجلدية فوق كتفه ثم يصعد الى العربة رقم (3)، وقبل أن يبلغ المقعد تماما لمح وجهه وكأنه يسبقه. نظر إليه نظرة راحة وقال بصوت مسموع:
” لا بأس…سيكون كلّ شيء على ما يُرام “
أرخى جسده المنهك فوق المقعد وحاول أن ينسى نفسه… هزّ رأسه وابتسم ثم نظر إلى ساعته، كانت تشير الى التاسعة ليلا بالضبط. ضغط على التذكرة المكوّرة بين أصابعه ثم دسّها في جيب سترته. لكنه استشعر شيئا من الضيق. فتح النافذة الموصدة ورغب أن يدير ظهره تماما ويمُدّ رأسه خارجا ليملأ رئتيه بالهواء كما لو كان “ذئب البراري” المتوغّل بين السهول الشاسعة.
في الأثناء صعد بقيّة الرُكّاب وتوزّعت أصواتهم بين العربات لتمتزج بصوت مُحرّك القطار، لينطلق في رحلة يجوب فيها بقاع الأرض ويُغيّر وجه الحياة.














Leave a Reply