قصة د/ أيمن الداكر
- ماذا لو أتاني الموت قبل نهاية الشهر، من يعطيك أجرك؟
قالها وهو ينقد العامل أجره اليومي، قبل أن يواري حصيلة اليوم في جيب بدلته الداخلي، يحمل حقيبته الجلدية ويخرج، ينزوي يمينًا في شارع السوق ليعبر المسجد القديم ثم مقهى القرية الوحيد، محملًا بهواجس طفل صغير يخشى مقابلة الساحرة، أو بمعني أدق تلك (الجنيّة) الجميلة ذات الشعر الطويل الذي يكرّ وراءها، يخشى أن تأسره بسحرها الذي يبرق في عينيها، تسلب منه الصوت أولًا فلا يستطيع الصراخ، ثم يسري سحرها في أطرافه فلا يستطيع الهرب، تسلب الإرادة الكامنة في عقله، فينساق إلى مخدعها هادئًا مطمئنًا، يتوه في عالمها وتفاصيلها ولا يعود مرة أخرى.
في رحلة عودته الروتينية كل مساء نحو شاطئ الترعة، حيث مسكنه الذي توارثه عن أبيه وجده، يخشى المرور الإجباري أمام ذلك البيت القديم، يتمنى لو يستطيع أن يطلق لساقيه العنان فيعبر ذلك البراح في لحظات، قبل أن يصيب الخدر ساقيه وتزوغ عيناه رغمًا عنه، تتأمل باب البيت القديم، شرفاته ونوافذه، وتسري إلى روحه نسمات جدرانه، لكن أعين رواد المقهى التي ترقبه جيدًا تحول بينه وبين أحلامه البسيطة، يخشى سخريتهم من هرولته كالأطفال، يكفيه إهماله في ملابسه ولحيته الغير مشذّبة.
بعد أن يغادر العيادة آخر المرضى، يكدّس حقيبته الجلدية بأدواته: السماعة، جهاز قياس الضغط، الترمومتر وخافض اللسان المعدني، المحلول المعقم، بعض الأدوية المسكنة والخافضة للحرارة وأمبولات الطوارئ؛ ليبدأ رحلته الروتينية، وقبل أن يصل المقهى يلوح له البيت القديم من بعيد، تفلت منه التفاتة نحو الشرفة البارزة من البيت كنتوء صخري من جبل صغير، تطلّ من ثناياها نبتة الصبار التي فارت في مخدعها الفخاري، فازدهرت وانتصبت أشواكها.
هل هناك من يرويها، أم أنها تقاوم الموت بما يصيبها من طل؟!
يقترب من البيت أكثر، يشعر بوخز الأشواك في كفه وصدره، يمدّ الخطى سريعًا وكأنه مغمض العينين، حتى كاد يدوس الكلب العجوز القابع أمام البيت أكثر من مرة.
في ذلك المساء.
زهرة حمراء قانية أطلّت من بين الأشواك فأبطأت حدة خطواته، صوت أرغمه على التوقف أمام الباب، أرسلت إليه نظرتها الناعسة فأغمض عينيه وهم بالانصراف، كان السحر الذي يبرق في عينيها قد استبدلته بنظرة مكسورة، مقهورة، تقلّب بين يديها طفلها الغارق في بكائه الحاد في لهفة وخوف عليه، حمل الطفل عنها ودلف إلى البيت، مدّده على الأريكة وراح يعتمل فيه بأدواته، ومهارته التي لم ينكرها أحد رغم هيئته المنكرة لذلك، هدأ الطفل وانطفأت جذوة النار التي كانت مشتعلة فيه فرقد في سلام، تأتيه نظرتها ببريق الفرح، تلثم يده فينتفض ويهرول خارجًا من البيت القديم، يدوس الكلب العجوز الراقد أمام الباب ويسقط، ينهض سريعًا محتضنًا حقيبته الجلدية، يفرّ من عيون روّاد المقهى وضحكاتهم.
في غرفة نومه يفتح حقيبته في عجالة، تفزعه العلبة البلاستيكية الفارغة، كان قد ازدرد آخر حبتين منها قبل مغادرته العيادة بقليل، يخبط رأسه في جدران الغرفة، يدسّ وجهه في وسادته الخالية، ينتحب ويصرخ كطفل صغير يتوجّع، يتكوّر في إحدى زوايا الغرفة، تأتيه صورة محبوبته وطفلها الباكي، تلك المحبوبة التي رحلت مع زوجها منذ سنوات طويلة، ولم تعد تسكن ذلك البيت القديم المهجور.














Leave a Reply